الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
154
نفحات الولاية
وبالطبع فانّ أفراد من كلا الطائفتين كانوا من ضمن صحب الإمام عليه السلام واتباعه ، وإن كانت الطائفة الثانية وعلى ضوء تصريحات بعضي المؤرخين تشكل الأقلية ، وعليه فمن الطبيعي أن تكثر هذه الطائفة من سوالها لعلي عليه السلام عن قتل عثمان ، فلم يكن أمام الإمام عليه السلام من بد سوى الإجابة التي تتضمن عكس الحقائق التأريخية من جانبه وعدم منح هذا وذاك الفرصة بغية إستغلالها ضد الدين . فالخطية رد على مثل هذه الأسئلة الذي يتطرق فيه الإمام عليه السلام إلى بيان الحقائق التأريخية دون منح العناصر الفاسدة الحجج والذرائع فقد قال عليه السلام : « لو أمرت به ، لكنت قاتلًا ، أو نهيت عنه ، لكنت ناصراً » . فمفهوم هذه العبارة هي أني كنت محايداً فلم ألطخ يدي بدمه ولم أدافع عن زلاته ، فالأمران ينطويان على محاذير . وهنا يبرز هذا السؤال : كيف يمكن التوفيق بين مضمون هذه العبارة والوقائع التأريخية ؟ لاننّا نعلم جميعا ( وقد ذكر ذلك أغلب المؤرخين ) أنّ الإمام عليه السلام نهى الناس عن قتل عثمان وقد بعث بالحسن والحسين عليه السلام إلى دار عثمان ليحولا دون زحف المعترضين ، بل دخل عليه الإمام عليه السلام بالماء حين منعوه منه . وقد أورد الشرّاح جوابين على السؤال المذكور : فقال البعض المراد من عدم النهي هو النهي العملي ؛ أي أنني لم أشهر السيف عملياً ولم أقتحم الميدان دفاعاً عنه ، وهذا لايتنافى ونهيه اللفظي عليه السلام وبعثه بالحسنين عليه السلام هناك . بينما يرى البعض لاخر أنّ هذا الكلام يفيد أن الإمام عليه السلام لم يأمر قط بقتل عثمان ، وإن كان يراه مستحقاً للعقاب على أعماله ، وعليه وبغية عدم تردي الأوضاع لأسوأ ممّا كانت عليه فقد دعا الناس إلى ضبط النفس والتخلي عن العنف ، إلّاأنّه لم يفعل ما من شأنه توفير الدعم الصريح لعثمان وأعماله وما يدر منه ؛ وذلك لأنّه كما أن سفك دمه يخلق بعض المشاكل في المجتمع الإسلامي ، فانّ توفير الدعم له والدفاع عن أعماله هو الآخر يسبب مشاكل لا تقل عن سابقتها ، وعليه فانّ الإمام عليه السلام لم ير في أي من الأمرين ( الأمر بالقتل والنهي عنه ) ممّا تمليه عليه وظيفته الإسلامية . وقد أراد الإمام عليه السلام أن يعلن موقفه الصريح ويحول دون تفاقم الخلافات بشأن قتل عثمان من قبل الطائفتين التي تذهب إحداهما لضرورة قتله وتلك التي لا تراه مستحقاً للقتل .